الشريف المرتضى

450

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

الأرض وأعاليها ؛ فإنّ من هبط من نجد البلاد إلى غورها يقال : نزل وهبط ، وما جرى هذا المجرى . فأمّا قوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فيحتمل وجوها : منها : أن يريد بالإذن العلم ، من قولهم : آذنت فلانا بكذا إذا أعلمته ، وأذنت لكذا إذا استمعته وعلمته ، قال الشاعر : في سماع يأذن الشّيخ له * وحديث مثل ماذيّ مشار « 1 » ومنها : أن تكون « إلّا » زائدة ، فيكون المعنى : وما هم بضارّين به من أحد بإذن اللّه ، ويجرى مجرى قول أحدنا : لقيت زيدا إلّا أني أكرمته ، أي لقيت زيدا فأكرمته . ومنها : أن يكون أراد بالإذن التخلية وترك المنع ، فكأنّه أفاد بذلك أنّ العباد لن يعجزوه ، وما هم بضارّين أحدا إلّا بأن يخلّي اللّه تعالى بينهم وبينه ، ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر ، زائدا على منعهم بالزجر والنهي . ومنها : أن يكون الضرر الذي عنى أنّه لا يكون إلّا بإذنه ، وأضافه إليه هو ما يلحق المسحور من الأدوية والأغذية التي يطعمه إياها السّحرة ويدّعون أنّها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور ؛ ومعلوم أنّ الضرر الحاصل عن ذلك من فعل اللّه تعالى بالعادة ؛ لأنّ الأغذية لا توجب ضرّا ولا نفعا ، وإن كان المعرضّ للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحقّ للذم ، وعليه يجب العوض . ومنها : أن يكون الضرر المذكور إنّما هو يحصل عن التفريق بين الأزواج ؛ لأنّه أقرب إليه في ترتيب الكلام ؛ والمعنى أنّهم إذا أغووا أحد الزوجين ، وكفر فبانت منه زوجته ، فاستضرّ بذلك كانوا ضارّين له بما حسّنوه له من الكفر ، إلّا أنّ الفرقة لم تكن إلّا بإذن اللّه وحكمه ؛ لأنّه تعالى هو الذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفي الأديان ؛ فلهذا قال : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ

--> ( 1 ) البيت في اللسان ( أذن ) ، ونسبه إلى عدي بن زيد . الماذي : العسل الأبيض . والمشار : المجنى ، ويقال : شرت العسل واشترته وأشرته ، إذا جنيته .